محمد جمال الدين القاسمي

423

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

سنن ما تواطؤوا عليه ، فأخبروا بخبر شاهدوه ، ولم يختلفوا فيه ، فما نقلوه أحد أهل هاتين الصفتين على مثل إحداهما . وهكذا حتى يبلغ إلى مشاهدة . فهذه صفة الكافة التي يلزم قبول نقلها ، ويضطر خبرها سامعها إلى تصديقه . وسواء كانوا عدولا أو فساقا أو كفارا . ولا يقطع على صحته إلا ببرهان . فلما صحّ ذلك نظرنا فيمن نقل خبر صلب المسيح عليه السلام ، فوجدناه كوافّ عظيمة . صادقة بلا شك في نقلها جيلا بعد جيل . إلى الذين ادّعوا مشاهدة صلبه . فإن هناك تبدلت الصفة ورجعت إلى شرط مأمورين مجتمعين . مضمون منهم الكذب وقبول الرشوة على قول الباطل . والنصارى مقرّون بأنهم لم يقدموا على أخذه نهارا خوف العامة . وأنهم أخذوه ليلا عند افتراق الناس عن الفصح . وأنه لم يبق في الخشبة إلا ست ساعات من النهار . وأنه أنزل أثر ذلك . وأنه لم يصلب إلا في مكان نازح عن المدينة . في بستان فخّار متملك للفخار . ليس موضعا معروفا بصلب من يصلب . ولا موقوفا لذلك . وأنه بعد هذا كله رشي الشّرط على أن يقولوا إن أصحابه سرقوه . ففعلوا ذلك . وإن مريم المجدلانية ، وهي امرأة من العامة ، لم تقدم على حضور موضع صلبه . بل كانت واقفة على بعد تنظر . هذا كله في نص الإنجيل عندهم . فبطل أن يكون صلبه منقولا بكافة . بل بخبر يشهد ظاهره على أنه مكتوم متواطأ عليه . وما كان الحواريون ليلتئذ ، بنص الإنجيل ، إلا خائفين على أنفسهم ، غيّبا عن ذلك المشهد . هاربين بأرواحهم مستترين . وإن شمعون الصفا غرّر ودخل دار قيقان الكاهن أيضا بضوء النهار . فقال له : أنت من أصحابه ؟ فانتفى وجحد وخرج هاربا عن الدار . فبطل أن ينقل خبر صلبه أحد تطيب النفس عليه . على أن نظن به الصدق . فكيف أن ينقله كافة . وهذا معنى قوله تعالى : وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ . إنما عنى تعالى أن أولئك الفساق ، الذين دبّروا هذا الباطل ، وتواطؤوا عليه ، هم شبهوا على من قلدهم . فأخبروهم أنهم صلبوه وقتلوه . وهم كاذبون في ذلك . عالمون أنهم كذبة . ولو أمكن أن يشبه ذلك على ذي حاسة سليمة ، لبطلت النبوات كلها . إذ لعلها شبهت على الحواس السليمة . ولو أمكن ذلك لبطلت الحقائق كلها . لأمكن أن يكون كل واحد منا يشبه عليه فيما يأكل ويلبس . وفيمن يجالس . وفي حيث هو فلعله نائم ، أو مشبه على حواسه . وفي هذا خروج إلى السخف وقول السفسطائية والحماقة . وقد شاهدنا نحن مثل ذلك . وذلك أننا أنذرنا للجبل لحضور دفن المؤيد هشام بن الحكم المستنصر . فرأيت أنا وغيري نعشا فيه شخص مكفن . وقد شاهد غسله شيخان جليلان حكمان من حكام المسلمين ومن عدول القضاة ، في بيت . وخارج البيت